الإجهاض السري.. وصفات شعبية بمخاطر متعددة

سبت, 03/02/2019 - 12:36

تلجأ بعض من السيدات إلى الطرق التقليدية والوصفات الشعبية لإنهاء الحمل غير المرغوب فيه، إما لأسباب صحية أو نفسية، أو لكونه نتاج جريمة اغتصاب، أو بسبب الفقر أو لرعاية طفل آخر رضيع.

تنتشر طرق الإجهاض لدى السيدات في الأوساط الشعبية والريفية عن جهل بخطورة اتخاذ هذا القرار دون سبب طبي بل ودون استشارة طبيب، مُعرّضات أنفسهن لمخاطر صحية تؤدي أحيانا إلى الوفاة، وملاحقة قانونية تصل إلى السجن.

بعض النساء لا يعتبرن الحمل بشهوره الأولى روحا، وإنما عبئا غير مرغوب يجب التخلص منه وعليهن استئناف حياتهن كالمعتاد، وبعضهن يلجأ لهذه الخطوة في حالات شديدة القسوة كالاغتصاب الذي يثمر عن الحمل سفاحا، فيصبح الطفل مجهول النسب معيدا الأم لتلك الذكرى الأليمة.

أرادت الأطفال فحاولت الإجهاض
"رابحة"، تزوجت في منتصف العشرينيات لتنجب أكثر من طفل، لكن الحياة صدمتها بزوج عنيف "سليط" اللسان، اعتاد إهانتها، بل والاستيلاء على راتبها الشهري، استحالت العشرة بينهما، فقررت الطلاق والاستقلال بطفلها الوحيد ذي الـ3 أعوام، وقبل إتمام إجراءات الطلاق شعرت بجنين يتحرك داخل أحشائها، اتخذت خيارها الأصعب، وقررت إجهاضه.

البحث عن وسائل للإجهاض هو الحل الوحيد أمام "رابحة" التي وجدت حملها إعاقة لحياتها الجديدة، لم يكن لديها خيارات للوسيلة الأنسب للإجهاض، وفي مصر الإجهاض السري هو الخيار الوحيد، فالقانون لا يبيح الإجهاض حتى للناجيات من الاغتصاب، كما يُعاقب النساء اللاتي يلجأن للإجهاض بالسجن، ويصنف القانون الإجهاض ضمن جرائم الاعتداء على الحق في الحياة، وتصل عقوبتها إلى السجن ثلاث سنوات.

الإجهاض في إحدى العيادات الخاصة كان نصيحة صديقتها المقربة، لكن تكلفة العملية 3 آلاف جنيه، ومخاطرها كبيرة كما تقول رابحة "العيادات ليست مجهزة وغير آمنة، سمعت عن حالات كثيرة ماتت أثناء العملية".

 

 كثيرات يلجأن للإجهاض غير الآمن في العيادات الخاصة وغير المرخصة (بيكسابي) 

وصفات شعبية للعذاب
اللجوء للطرق التقليدية الشعبية كان هو الحل بالنسبة لها، كثيرات يلجأن للإجهاض غير الآمن سواء في العيادات الخاصة وغير المرخصة التي يطلق عليها "عيادات بئر السلم"، أو من خلال إدخال أدوات حادة داخل عنق الرحم.

نفذت "رابحة" نصيحة جارتها بشرب الزنجبيل والقرفة والخل الساخن، ورفع أشياء ثقيلة وهي المعروف عنها وسائل شعبية لإجهاض الحمل، دون جدوى.

يصبح الإجهاض بالطرق التقليدية خطيرا، له آثار جانبية قد تؤدي إلى الوفاة، وقد لا يؤدي للوفاة لكن قد يترك أثره بتشوهات يحملها الجنين معه طوال حياته كما حدث لطفل رابحة الذي ولد بإعاقة ذهنية وإعاقة أخرى في قدمه اليسرى، وبحسب ما أخبرتها به الطبيبة فإن ذلك بسبب محاولات الإجهاض. 

الإجهاض جزء من حياة البعض
من القاهرة إلى ريف الدلتا، حيث التقينا الحاجة أميمة عيسى، سيدة في نهاية العقد السادس من عمرها، لديها أربعة أبناء وعدد كبير من الأحفاد، وعلى عكس رابحة تنتسب أميمة إلى عائلة ريفية غنية.

لم يشكل الكلام عن الإجهاض حرجا كبيرة للحاجة أميمة، قالت "كثيرة هي الوصفات الشعبية للإجهاض، أنا جربت بنفسي كثيرا منها في محاولتي إجهاض سابقتين".  تبرر الحاجة أميمة ذلك بأن أطفالها كانوا صغارا ويحتاجون لرعاية مكثفة، فلا مجال لحمل جديد. 

لجأت "أميمة" للقفز من فوق "الفرن البلدي" -وهو فرن للخبز يصنع من الطوب على ارتفاع يصل إلى متر ونصف تقريبا عن الأرض موجود في البيوت الريفية- وحملت كثير من الأثقال "أكياس الإسمنت والزلط"، ونصحتها إحدى قريباتها بشرب ماء قشر البصل المغلي والمداومة عليه حتى تجهض، لكنه لم يحدث.

 56 مليون عملية إجهاض سنويا على مستوى العالم، 45% منها إجهاض غير آمن (بيكسابي) 

طرق تقليدية مميتة
في البيئة الريفية، حين تريد المرأة إجهاض حملها تلجأ للأساليب المستوحاة من الحضارات القديمة حين كانت تصنع خلطات ووصفات قديمة تستخدم للإجهاض في مصر القديمة والصين واليونان.

عاصرت "أميمة" عددا لا يستهان به من عمليات الإجهاض، أجرتها معارفها وجيرانها ممن فشلت وسيلة منع الحمل معهن.

أضافت "أميمة" "أعرف أكثر من سيدة نجحت بإجهاض حملها عن طريق خلطات الأعشاب، ومؤخرا ظهرت وسائل أحدث كغلي المياه الغازية السوداء (الكولا)، وتتابع أميمة "وهناك سيدة توفيت بعدما حاولت الإجهاض باستخدام سعف النخل فأصيبت بنزيف وماتت في الحال".

إحصائيات عالمية
تعاني معظم الدول من خدمات تنظيم الأسرة المحدودة وغير الفعالة، إذ لا تهتم الدولة بتوفير الخدمات المعنية بتنظيم الأسرة ولا الوسائل المستخدمة بشكل مجاني للأسر الفقيرة أو متابعة مدى فاعلية تلك الوسائل مما ينتج عنه 89 مليون حالة حمل غير مخطط لحوالي 214 مليون امرأة في الدول النامية.

وبحسب منظمة الصحة العالمية تُجري 56 مليون امرأة عملية إجهاض سنويا على مستوى العالم، 45% منها إجهاض غير آمن. وتتركز في البلدان النامية بأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، ومن بين كل أربع حالات إجهاض هناك حالة واحدة فقط آمنة في البلدان المحظور فيها الإجهاض.

تلجأ بعض السيدات للطرق التقليدية والوصفات الشعبية لإنهاء الحمل لأسباب عدة، منها كونه نتاج جريمة اغتصاب (بيكسابي)

إجهاض المغتصبة
إجهاض المغتصبة يرفضه القانون المصري، وتحول الأمر لقضية أثارها بالبرلمان المصري عام 2007 النائب محمد خليل قويطة مطالبا بتشريع يسمح بإجهاض الجنين الناتج عن جريمة الاغتصاب، لكنه أثار جدلا واسعا حول ضوابط هذا الاقتراح، بعدما أشار أن مركز البحوث الاجتماعية والجنائية رصد ارتفاع ضحايا الاغتصاب حينها ليصل إلى أكثر من 20 ألف حالة سنويا، وأن الإبلاغ عنها يكون في 10% فقط من جملة الضحايا خوفا من نظرة المجتمع.

فضلا عن الآثار النفسية السيئة التي تلحق بالضحية جراء الاغتصاب، تتسبب العديد من الحالات بوجود طفل جديد في تعداد الأطفال مجهولي النسب، هذا الوضع دفع المفتي السابق لمصر نصر فريد واصل بإصدار فتوى خلال عام 1998 بجواز إجهاض المغتصبة خلال الـ‏120‏ يوما الأولى من الحمل‏.

كما وافق شيخ الأزهر السابق محمد سيد طنطاوي على مشروع قانون يبيح للمرأة المغتصبة إجراء عملية إجهاض في أي وقت حتى بعد مرور أربعة أشهر على الحمل، غير أن ذلك القانون لم ير النور.

وفي وقت لاحق أصدر طنطاوي فتوى تجيز إجهاض جنين الاغتصاب، بشرط أن تكون الفتاة المجهضة "طيبة السمعة ونقية وطاهرة ورافضة لما حدث"، مضيفا "أرى أن حكم الشرع في إجهاض جنين المغتصبة يقر وفقا لظروف كل حالة".

وفي محاولة للحصول على فتوى واضحة تجيز للمغتصبة إجهاض الجنين الناتج عن فعل الاغتصاب بعيدا عن الجدل المستمر لسنوات في وسائل الإعلام، حاولنا التواصل هاتفيا بدار الإفتاء المصرية للحصول على الفتوى، لكن مسؤول الفتاوى امتنع عن الفتوى، مطالبا بحضور الفتاة المغتصبة بنفسها للتحدث معها وإعطائها الفتوى بشكل مباشر.

المصدر : الجزيرة