بطلات يعلمن بنات جنسهن مهارات الدفاع عن النفس

أحد, 12/10/2017 - 20:50

خطت النساء العربيات خطوات هامة في مجال رياضات الدفاع عن النفس متحديات العادات والتقاليد الاجتماعية والدينية التي جعلت هذه الرياضات ولعقود طويلة خاضعة لسيطرة الرجال.
ورسمت العديد من البطلات في الكاراتيه والتايكواندو والكونغ فو والجودو صورة أكثر إشراقا، وهن يحملن الشعلة الأولمبية ويقفن في الصفوف الأمامية ليمثلن بلدانهن في المنافسات الدولية ويتوجن بالميداليات الذهبية والفضية والبرونزية.
ويبدو أن جيلا بأكمله من الفتيات بدأ فعلا في كسر الأفكار النمطية التي تصوّر المرأة على أنها كائن ضعيف، وذلك عبر التوجه إلى احتراف الرياضات القتالية بمختلف أنواعها.
وتختلف دوافع الإقبال الأنثوي على ممارسة هذا النوع من الرياضات من فتاة إلى أخرى، غير أن التحرش الجنسي الذي تتعرض له المرأة العربية جعل الكثيرات يتجهن إلى تعلم مهارات القتال لحماية أنفسهن من التحرش الجنسي ومحاولات الإزعاج التي يمارسها الرجال تجاههن.
الاعتداءات الجنسية
ليست الاعتداءات الجنسية عادة مادة تُطرح للنقاش العلني المفتوح في تونس، غير أن الحملة التي أطلقها مؤخرا مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة تحت عنوان “المتحرش ميركبش معانا (لا يصعد معنا)”، كشفت أن ظاهرة التحرش الجنسي بالمرأة تنذر بالخطر.
وأظهر المركز أن 53.5 بالمئة من أصل ثلاثة آلاف امرأة من كافة أنحاء تونس يتعرضن للعنف في الأماكن العمومية، وخاصة وسائل النقل العمومي.
ولا تبلِّغ معظم النساء التونسيات عن تلك الاعتداءات الجنسية التي يتعرضن لها وذلك بسبب الرغبة في تجنّب الإحراج لعائلاتهن، كما أن القانون لا ينصف في الغالب الضحية عندما تبلّغ عن تعرضها لمضايقة أو تحرش، وهذا ما جعل البعض من النساء التونسيات يتدربن على الرياضات القتالية لصد موجة الاعتداءات التي يتعرضن لها في مجتمعهن.
ولم يكن بريق الأمجاد الرياضية الدافع الرئيسي الذي جعل غادة المزليني تختار رياضة التايكواندو والتي توّجت فيها بلقب البطولة التونسية سبع مرات وبكأس تونس خمس مرات، كما أحرزت الميدالية الذهبية في الدورة المفتوحة لرياضة التايكواندو بمحافظة عنابة الجزائرية، وتسعى المزليني حاليا إلى تدريب الأجيال على هذه الرياضة التي ترى أنها خير ذخر يمكن أن تستفيد منه هذه الأجيال في حياتها، وهذا أهم بالنسبة إليها من التتويجات.
وقالت المزليني ، “اخترت رياضة التايكواندو لأنها تعزز قدرات الجسم البدنية وتبني طاقة نفسية عالية تجعلني أكثرة ثقة في نفسي وقادرة على مواجهة جميع أشكال المضايقات التي أتعرض لها يوميا في الشارع”.
وأضافت “رياضة التايكواندو تنمّي الروح المعنوية للمرأة، مما يجعلها تتعرف على نقاط القوة بداخلها، بدل أن تشعر بالضعف والخوف أثناء مواجهة المواقف الصعبة بما فيها التحرش الجنسي”.
وأوضحت “الرياضات القتالية بشكل عام تمنح المرأة الثقة في إمكانياتها النفسية والجسدية وتجعلها قادرة على التصدي لجميع أشكال العنف المادي والمعنوي التي قد تعترضها في مجتمعها، ولكن ليس بالضرورة أن تلجأ منذ البداية إلى المهارات الجسدية، فأحيانا بابتسامة صغيرة أو بكلمات لبقة يمكن أن أضع حدا لمن سوّلت له نفسه التحرش بي أو مضايقتي”.
وختمت المزليني بقولها “التدرب على الرياضات القتالية لا يعني أن نرد على العنف بالعنف، فهذه الطريقة لن تولّد سوى المزيد من العنف، لكن أحيانا الضرورات قد تبيح المحظورات وألجأ لمهارات الدفاع عن النفس المادية عندما لا تنفع الحلول السلمية مع المتحرشين”.
وعلى الرغم من أن التايكواندو يعدّ من الرياضات التي تعاني من الإهمال وضعف الإمكانيات المادية للهيئات الرياضية التونسية، إلا أن ذلك لم يمنع رحمة بن علي من أن تكون بطلة عالمية وتحلق بعلم بلادها عاليا في سماء العديد من الدول.
أثارت رياضة التايكواندو فضول بن علي، وسرعان ما تحول الفضول إلى الاحتراف، فتوجت فيها بحوالي 13 ميدالية ذهبية و7 فضية و9 برونزية، وصنفت كأفضل لاعبة عربية وأفريقية، بالإضافة إلى حصولها على 20 ميدالية ذهبية وعدة كؤوس في بلادها.
ولكن بن علي ترفض فكرة أن تتحوّل مهاراتها القتالية إلى سلاح مشهر ضد الناس، مشددة على أن “الرياضة أخلاق أو لا تكون”، ومن المفروض أن تكون ردة الفعل لدى الرياضيين غير عدائية حتى في المواقف الاستفزازية.
وقالت بن علي، “الرياضي قادر على التحكم في ردة فعله أكثر من الشخص العادي الذي لا يمارس الرياضة، ومن غير المقبول أن يستعرض عضلاته على الآخرين سواء أكان ذلك عمدا أو بسبب موقف مستفز”.
وأضافت “أنا امرأة ورياضية وأمارس رياضتي بكل حب وإتقان، ومهمتي أن أكون خير مثال للسلام وليس للعنف، ولديّ وصفة نفسية تعلمتها من التايكواندو يمكن أن أتعامل بها مع المضايقات التي قد تعترضني في الشارع، وإن لم تنفع عندها ستكون مهاراتي القتالية الوسيلة الأخيرة للدفاع عن نفسي”.
الحماية الذاتية
تبدو ظاهرة التحرش بالنساء أنكأ في المجتمع المصري، وخاصة في مدينة القاهرة التي صنفت “الأكثر خطورة” من حيث مخاطر التعرض للتحرش الجنسي بحسب استبيان دولي شمل 19 مدينة كبرى يتجاوز عدد سكانها 10 ملايين نسمة أجرته مؤسسة طومسون رويترز، وهذا ما جعل الكثيرات يسعين إلى التدرب على بعض المهارات القتالية لحماية أنفسهن، ومن بينهن سهام الصوالحي بطلة التايكواندو المصرية التي استهوتها هذه الرياضة القتالية، رغم عدم النظر بعين المساواة للجنسين في ممارسة هذه الرياضات، وعزوف المرأة نفسها عن ممارسة ومتابعة الرياضة النسائية.
وقالت الصوالحي  إنها قررت منذ البداية احتراف رياضة التايكواندو لشعورها بأن هذه الرياضة ستمنحها اللياقة البدنية والقوة الجسدية اللتين ستكونان بمثابة الدرع الذي سيحميها ويساعدها على صد المتحرشين في الشارع. وأضافت “لطالما شهدت في صغري العديد من الفتيات يتعرضن للمعاكسات والتحرش ولكنهن لا يستطعن أن يفعلن أيّ شيء إزاء ذلك ويكتفين في أغلب الأحيان بالصمت من شدة الخوف”.
وأوضحت “مع مرور السّنوات زاد حبّي للتايكواندو، وواصلت التدريب والمشاركة في البطولات فانضممت إلى منتخب مصر للناشئين، ثم منتخب الكبار وأنا في الخامسة عشرة من عمري، ولم أعط آذانا صاغية لجميع الانتقادات الاجتماعية التي كانت تدور حولي، كما لم تثنني عن مواصلة مشواري جميع النعوت والأوصاف المستهزئة والساخرة التي ألحقتني بصنف الفتيات المسترجلات”.
وكشفت الصوالحي عن موقف تعرّضت له وصديقاتها منذ عدة سنوات في أحد شوارع القاهرة من قبل مجموعة من الشبان أرادوا معاكستهن، ولكنها استطاعت صدهم بوقوفها في وضع استعداد محاولة تعنيفهم، ولما علا صوتها وبدأ المارة ينتبهون إلى استعدادها للدخول في معركة بالأيدي هرول الشبان هاربين من شدة الخوف.
وتابعت “ممارستي للتايكواندو علّمتني كيف أعتمد على نفسي من دون أن أنتظر الحماية من أحد، ومنحتني لياقة بدنية عالية ورشاقة كبيرة في الجسد، وأعتقد أن ما يردده البعض بأن تعليم الفتيات رياضات الدفاع لا يتماشى وطبيعتهن اعتقاد خاطئ، فعلى العكس إنه يساعدهن على الحفاظ على أنفسهن، لأنه يعزز الجانب الإدراكي للمرأة ويمنحها القدرة على قراءة لغة جسد المتحرش، وفي حال تعرضت للتحرش ستتمكن من صدّ ذلك بالاعتماد على ضربات القدمين واليدين، وبالتركيز على مناطق مؤثرة تترك أثرا سلبيا على المتحرش”.
وختمت الصوالحي بقولها “رغم تغير نظرة المجتمع المصري إلى الأفضل تجاه الفتيات اللائي يمارسن رياضات الدفاع عن النفس، إلا أن هناك فئة لا تزال تعتقد أن ممارسة هذه النوعية من الرياضات تؤثر على الزواج والإنجاب وتربية الأولاد، وكل هذه تعلات واهية ولا أساس لها من الصحة”.
فيما أكدت جيانا فاروق لاعبة النادي الأهلي ومنتخب مصر للكاراتيه أن الصدفة وحدها قادتها إلى ممارسة هذه الرياضة بعد أن شاهدت وهي في السابعة من عمرها مجموعة من الفتيات يتدربن في إحدى صالات النادي “الأهلي” فيما كانت هي بدورها تمارس رياضة السباحة. وقالت فاروق ، “انجذبت لهذه الرياضة من دون أن أعرف حتى اسمها، وطلبت من والدي أن أتعلمها، ولم يكن الهدف بالنسبة إليّ الدفاع عن نفسي بما أنني كنت وقتها طفلة صغيرة”.
وشددت فاروق، التي تصدرت التصنيف العالمي للاعبات الكاراتيه تحت سن 21 عاما، على أن ممارسة الفتيات للرياضات القتالية هو بمثابة سلاح للدفاع عن النفس خاصة في ظل انتشار ظاهرة التحرش وحوادث السرقات في الشوارع، مشيرة إلى أن غالبية المجتمعات الشرقية تتعامل مع المرأة على أنها كائن ضعيف ولا يستطيع مواجهة مثل هذه المواقف.
وختمت بقولها “رغم أنني لم أتعرّض إلى مضايقات حقيقية يمكن أن تضعني في موقف استعداد من أجل الدفاع عن نفسي، ولكنني حتما سأستخدم المهارات القتالية التي تعلمتها عندما تحتّم عليّ بعض المواقف الخطيرة ذلك”.
تغيير العقلية
يعد تدريب الفتيات على بعض المهارات الرياضية ووجود قوانين رادعة للمتحرشين أمرين مهمين لمكافحة التحرش الجنسي، ولكن تغيير الثقافة السائدة التي تتعامل مع المرأة بطريقة دونية لها بالغ الأثر في الحد من هذه الظاهرة.
واستعرضت شيرين شوقي أستاذة الإرشاد النفسي بكلية الآداب بجامعة عين شمس بالقاهرة العديد من الأسباب التي دفعت البعض من النساء إلى تعلم الرياضيات العنيفة.
وقالت شوقي، “التساهل والتواطؤ الاجتماعي مع المضايقات التي تتعرض لها النساء مثل جرائم الشرف المتفشية والتحرش والاغتصاب وهتك العرض وسوء المعاملة في أماكن العمل وخارجها جعل الكثيرات يبحثن عن وسائل ذاتية للدفاع عن أنفسهن، وخاصة في ظل الصبغة الذكورية لأغلب المجتمعات العربية التي تبرر بل وتقنّن الإفلات من العقاب”.
وأضافت “لقد تغيرت طبيعة المرأة الرقيقة جدا وتحولت اهتماماتها من الرياضات التي تتناسب وطبيعتها كالسباحة وكرة السلة إلى الرياضات العنيفة كالجودو والكاراتيه والملاكمة وذلك بدافع رغبتها في حماية نفسها من الأذى الذي تتعرض له في مجتمعها”.
وواصلت “أصبحت الفتيات اليوم يلقين تشجيعا من الأسر على ممارسة هذه الرياضات، رغم أن العائلات في الماضي كانت ترفض وبشدة تعلم بناتها لتلك الرياضات الخشنة التي تنظر إليها على أنها ذكورية”.
وأوضحت “نشهد حاليا تحولا ثقافيا في طريقة تفكير الأسر التي باتت تدعم الفتيات وتشجعهن على ممارسة هذه الرياضات لأنها يمكن أن تحميهن من موجات الجرائم البشعة الدخيلة على المجتمعات العربية، ومن حالات التحرش الجنسي وغيرها من الإساءات والمضايقات التي تستهدف النساء”.
ونوهت شوقي في خاتمة حديثها إلى أن ممارسة الفتاة لرياضات الدفاع عن النفس من شأنها أن تجعلها أكثر وعيا بإمكانياتها النفسية والجسدية وتعلمها كيفية توظيف ذلك في حماية نفسها من الخطر والتعامل السريع معه.
ويرى أستاذ علم النفس التربوي العراقي سليمان شيخو أن إقبال الفتيات على ممارسة رياضات الدفاع عن النفس من الأمور الإيجابية جدا بالنسبة إلى المرأة لأنها تجعلها تشعر بقيمتها الحقيقية وتغيّر انطباعها الداخلي الذي يغلب عليه في بعض الأحيان الخوف والتردد والشعور بالظلم والاضطهاد.
وقال شيخو، “هناك إقبال متزايد من الفتيات العربيات على ممارسة الرياضات القتالية، وهذا في حد ذاته يعكس انفتاحا ثقافيا من قبل أغلب الأسر العربية التي أصبحت لا تمانع أن تمارس بناتها مثل هذه الرياضيات، وتشجعهن على ارتياد القاعات الرياضية والنوادي التي تلبّي رغباتهن في تعلم مهارات القتال بمختلف أصنافها”.
وختم شيخو بقوله “لكن مهما حققت النساء من بطولات ونجاحات فإنهن لن يسلمن من الجدل العقيم الذي تغذّيه بعض الفئات التي لا ترحب بانتقال المرأة من عالمها التقليدي لتصبح أكثر تحررا وحداثة في مجتمعها الذي كان حتى وقت قريب سجنا كبيرا للنساء”.

القسم: